بقلم : عائشة مزاحم
عندما شددت الرحال إلى هذه البقعة من العالم، بعيدا عن وطني و عن تلك الأرض التي اعتادت على وطأة أقدامي، أدركت انه عليّ أن أرتدي قلباً جديداً غير ذاك الذي حملته في بلادي، و أدركت مع تلك الحقيقة أنني سأربي ذاتي تربيةً جديدة، و سأروض نفسي على الصلابة و العمل الجاد، غير ما اعتادت عليه في رخائها و عالمها.
كامرأة قررت الهجرة إلى قارة أخرى، فستحمل على عاتقها مسؤولية مضاعفة لإثبات الوجود، فالغرب ينظر لنا نحن النساء العربيات على أننا توابع للرجال فحسب، أو أننا لا نجيد ممارسة الحياة العملية، و قد تزداد قسوة هذه النظرة في عيونهم، إذا كنت تلفين رأسك بتلك القماشة أمامهم أو كما يسمونها هم.
حطت طائرتي هنا، و حمداً لله على السلامة، مشيت بين ضجيج الشوارع في خطواتي الأولى هنا، حتى ضجيجهم مختلف، حتى فوضى أصوات البشر هنا بدت لي طلاسم، هذه الفوضى لا تشبه فوضى الوطن، لها لغة خاصة، و من هنا عرفت أنني أقف أمام عائقي الأول نحو تقدمي " اللغة"، مسكين هو من يظن نفسه أنه سيتقدم في بلاد لا يعرف لغة شعبه، و مسكينة هي من تحبس نفسها و تحدد ذاتها في تربية أطفالها دون تجاوز هذا العائق، لن يفيدك الهرب طويلاً !
لن تتبدد أمامي أية صعاب إن لم أحطم هذه الصخرة الشامخة، فقررت و لم أتوقف عند قراري، بل سرت في حيز التنفيذ، بدت الرؤية أوضح، و بدأت أفهم كيف تسير الحياة هنا بعدما فككت طلاسم الحروف و الضجيج الذي حسبته ضجيجاً في البداية، ثم أدركت أنه حضارة أمة، و أسلوب حياة.
صرت أفهم كل شيء يدور من حولي، حتى هؤلاء الذين يجلسون خلفي في مقعد القطار، و يتكلمون عن حجابي، أفهم كيف يفكرون بي.
بعدما أصبح هذا العالم مألوفاً بعض الشيء، علمت نفسي كيف تفرق بين الانصهار في الشعوب و بين التعايش الإيجابي معها، تعلمت كيف آخذ منهم مايناسبني و كيف أترك ما لا يليق بي، فرسمت لنفسي حدوداً جديدة، لا يراها أحد سواي، فاتزنت بين شخصيتي العربية القديمة و بين شخصيتي في المهجر.
أطلقت لنفسي العنان في كل ما يساهم في تقدمي، حتى أنني صرت أطمح كما لم أفعل في السابق، فقد عرفتني هذه البلاد مكامن نفسي، و مواطن قوتي، أن أكون امرأة عربية محجبة مهاجرة إلى بقعة أرض لم يصلها نور إسلامي بعد، و أن أدخل للقلوب التي تلقاني، هذا يعني أنني تفوقت على نفسي.
أتاحت لي الظروف هنا لأحلم، لأجد لنفسي مساحة خاصة، تعلمت كيف أنظم وقتي، كيف أمارس هواياتي دون تجاوز أولوياتي، تعلمت قيمة الوقت،قيمة الشباب، صرت أرى شمس الصباح كما لم أراها من قبل في وطني، و عرفت قيمة فنجان القهوة، الذي يرافق دربي الجامعي، و تعلمت كيف أكون زوجة و ربة منزل و متعلمة في آن معا، و كيف أننا نحن النساء قادرات على تعدد المسؤوليات، فلا يلغي وجودي زواج، و لا يلغي تعليمي متعة الحياة.
قابلت الكثيرات في دربي، فغبطت بعضهن على تفوقهن على قدراتي و استمديت منهن القوة لتصحيح المسار، و نصحت الأخريات على اكتشاف مكامن طاقتهن مثلي، فلا يثنيهن أطفال ولا زواج ولا ظروف عن المتابعة و تأمين مساحة صغيرة لهن و فضاء خاص بهن.
لا بد و أن لكل منا حلم ما، بعضنا نسي حلمه و دفنه في أعماقه مع خيبات عمره، و منا من تمسك به بقوة و صار يجري بعكس رياح أيامه، فبقي على قيد حلمه ثم انتصر و وصل، قد يكون القرار صعباً، فغالباً ما يلجأ الانسان للفرار و الهروب بدلاً من المواجهة، فهذا الطريق أقصر و أقل إنهاكاً من الحرب، لكن قال تعالى :" قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون " !
لقراءة المقالة الأصلية على منصة هواء .. زوروا الرابط أدناه :
تابعوا حسابي الشخصي على الانستغرام :

تعليقات
إرسال تعليق